يُعدّ الصيام المتقطع (Intermittent Fasting) واحدًا من أكثر الأساليب الغذائية التي يزداد الحديث عنها في السنوات الأخيرة، لما يرتبط به من تنظيم لمستويات الأنسولين وتحفيز للجسم على حرق مخزونه من الدهون. ولفهم آلية عمله بشكل صحيح، لا بد أولًا من فهم كيف يتعامل الجسم مع الطاقة الغذائية بشكل عام: فدهون الجسم هي في الأساس طاقة مخزَّنة لوقت الحاجة، وعندما نتناول الطعام فإننا غالبًا نستهلك طاقة أكبر من احتياجنا الفوري، فيقوم الجسم بتخزين الفائض منها لاستخدامه لاحقًا.
الهرمون المسؤول عن هذا التخزين هو الأنسولين، وهو الهرمون الأساسي الذي يتحكم في كيفية توزيع طاقة الغذاء بين الاستخدام الفوري والتخزين. في هذا المقال نشرح بشكل مبسّط كيف تعمل هذه الآلية، وماذا يحدث للجسم أثناء الصيام، وما الفوائد المحتملة لهذا الأسلوب الغذائي، مع توضيح متى يجب استشارة الطبيب قبل تجربته.
كيف يُخزّن الجسم طاقة الغذاء؟
عند تناول الطعام يرتفع مستوى الأنسولين في الدم، وهذا الارتفاع يساعد على تخزين الطاقة الزائدة بطريقتين متكاملتين. الطريقة الأولى: تُربط السكريات في سلاسل طويلة تسمى الجليكوجين، ويُخزَّن هذا الجليكوجين في الكبد والعضلات ليكون مصدر طاقة سريعًا عند الحاجة. لكن مساحة تخزين الجليكوجين محدودة، وعندما تمتلئ هذه المخازن يبدأ الكبد بتحويل الجلوكوز الزائد إلى دهون عبر عملية تُعرف بـ«تصنيع الدهن من جديد» (De Novo Lipogenesis).
يُخزَّن جزء من هذا الدهن المُصنَّع حديثًا في الكبد نفسه، بينما يُصدَّر معظمه إلى مخازن الدهون الأخرى في الجسم. وخلافًا للجليكوجين، فإن سعة تخزين الدهون في الجسم تكاد تكون غير محدودة. بذلك يتوفر لدى الجسم آليتان متكاملتان لتخزين الطاقة: الأولى سريعة ومحدودة السعة (الجليكوجين)، والثانية أبطأ لكنها شبه غير محدودة (الدهون).
ماذا يحدث في الجسم أثناء الصيام؟
تنعكس هذه العملية عند التوقف عن تناول الطعام. فمع انقطاع الوارد الغذائي، تنخفض مستويات الأنسولين تدريجيًا، وهو ما يرسل للجسم إشارة للبدء بحرق الطاقة المخزَّنة بدلًا من تخزينها. ومع انخفاض سكر الدم، يضطر الجسم لسحب الجلوكوز من مخزون الجليكوجين لتحويله إلى طاقة، باعتباره المصدر الأسهل والأسرع توفرًا.
يوفر مخزون الجليكوجين عادة طاقة كافية لمدة تتراوح بين 24 و36 ساعة تقريبًا (وتختلف هذه المدة من شخص لآخر بحسب النشاط والعوامل الفردية)، وبعدها يبدأ الجسم بتفكيك الدهون المخزَّنة لاستخدامها كطاقة. بذلك يكون الجسم في إحدى حالتين لا ثالث لهما: حالة التغذّي (حيث يرتفع الأنسولين ويُخزَّن الفائض)، وحالة الصوم (حيث ينخفض الأنسولين ويُحرق المخزون). وإذا تحقق توازن معقول بين الحالتين، فلن تحدث زيادة صافية في الوزن.
أما إذا استمر الشخص في تناول الطعام بشكل شبه متواصل من لحظة الاستيقاظ حتى النوم -كما هو شائع في كثير من أنماط الحياة الحديثة- فإن الجسم يقضي معظم وقته في حالة تغذٍّ وتخزين، دون أن يُمنح فرصة كافية لحرق الطاقة المخزَّنة، وهو ما يفسر جزئيًا ميل الوزن للازدياد مع مرور الوقت. ولإعادة التوازن أو خسارة بعض الوزن، يحتاج الجسم ببساطة إلى إطالة الفترة التي يحرق فيها طاقته المخزَّنة، أي فترة الصوم.
الصيام المتقطع مقابل الحميات الغذائية التقليدية
الصيام في جوهره ليس مفهومًا جديدًا أو غريبًا؛ فهو جزء من عادات الإنسان الغذائية منذ القدم، وأحد أقدم أساليب الانضباط الغذائي المعروفة. وقد ابتعد عنه كثيرون بفعل أنماط الحياة الحديثة السريعة، وتوفر الطعام بكثرة وفي كل وقت، وهو ما ارتبط بارتفاع معدلات زيادة الوزن والسمنة.
على عكس الحميات الغذائية التقليدية التي قد تكون معقدة ومكلفة وتستغرق وقتًا وتحضيرًا خاصًا، يتميز الصيام المتقطع ببساطته: فهو لا يتطلب شراء أطعمة خاصة أو اتباع وصفات معقدة، ويمكن ممارسته في أي مكان دون قيود. مع ذلك، تبقى فعاليته -مثل أي أسلوب غذائي آخر- متفاوتة من شخص لآخر، وتتأثر بعوامل مثل نوعية الطعام في فترة الأكل، ومستوى النشاط، والحالة الصحية العامة، لذلك من الأفضل عدم التعامل معه كحل سحري واحد يناسب الجميع.
يُطلق على فترات الصيام أحيانًا أسماء مثل «التطهير» أو «التنظيف» أو «إزالة السموم»، إلا أن الفكرة الأساسية وراءها واحدة: الامتناع عن تناول الطعام لفترة محددة من الوقت لأسباب صحية.
الفوائد المحتملة للصيام المتقطع
تشير بعض الأبحاث إلى أن الصيام المتقطع قد يرتبط بعدد من الفوائد المحتملة، أبرزها: تحسّن التركيز والصفاء الذهني، والمساعدة على خفض وزن الجسم ونسبة الدهون، وخفض مستوى سكر الدم ومستوى الأنسولين لدى بعض الأشخاص، وزيادة الشعور بالطاقة، وتحفيز حرق الدهون المخزَّنة، وربما المساهمة في خفض بعض مؤشرات الالتهاب في الجسم لدى بعض الأشخاص. كما تربط بعض الدراسات الصيام بتحفيز عملية «الالتهام الذاتي» (Autophagy)، وهي آلية طبيعية ينظف الجسم من خلالها خلاياه من المكونات التالفة، وقد حظي اكتشاف آليتها بجائزة نوبل في الطب عام 2016.
أما بخصوص تأثير الصيام على مستوى هرمون النمو، أو الكوليسترول، أو خطر بعض الأمراض العصبية مثل الزهايمر، فما زالت هذه المجالات موضع دراسة وبحث علمي مستمر، والنتائج فيها متفاوتة وتختلف من دراسة لأخرى ومن شخص لآخر؛ فعلى سبيل المثال قد يرتفع الكوليسترول الضار (LDL) لدى بعض الأشخاص مع اتباع الصيام أو الكيتو، بينما ينخفض لدى آخرين. لذلك من المهم عدم تعميم أي نتيجة كحقيقة مطلقة أو كضمان لكل من يمارس الصيام.
أما بخصوص علاقة الصيام بمرض السكري من النوع الثاني، فقد يساهم الصيام المتقطع -ضمن خطة غذائية متكاملة وتحت إشراف طبي- في تحسين حساسية الجسم للأنسولين لدى بعض المصابين، لكنه لا يُعتبر بأي حال علاجًا أو شفاءً لمرض السكري، ولا ينبغي أبدًا اعتماده كبديل عن العلاج الطبي أو التوقف عن الأدوية الموصوفة دون استشارة الطبيب المختص. ومن الضروري التأكيد أن هذه الفوائد جميعها احتمالية وليست مضمونة أو ثابتة لكل شخص، وأن الصيام المتقطع أسلوب غذائي وليس علاجًا طبيًا لأي مرض.
من يجب أن يستشير الطبيب قبل بدء الصيام؟
رغم أن الصيام المتقطع أسلوب غذائي آمن بشكل عام لمعظم البالغين الأصحاء، إلا أنه لا يناسب الجميع، وهناك فئات يجب عليها استشارة الطبيب قبل البدء به.
من أهم هذه الفئات: مرضى السكري -وخصوصًا من يتناولون الإنسولين أو أدوية خافضة لسكر الدم من فئة السلفونيل يوريا- لأن الصيام قد يزيد خطر انخفاض سكر الدم (Hypoglycemia) ويستوجب تعديل جرعات الدواء تحت إشراف طبي مباشر؛ والحوامل والمرضعات؛ ومن هم دون سن 18 عامًا؛ ومرضى الكلى والقلب والكبد؛ ومن لديهم تاريخ مع اضطرابات الأكل؛ وكل من يتناول أدوية مزمنة قد تتأثر بتغيّر مواعيد الطعام. في جميع هذه الحالات، ينبغي عدم البدء بالصيام المتقطع إلا بعد التقييم من قبل طبيب مختص يراعي الحالة الصحية الفردية لكل شخص.
كيف تبدأ الصيام المتقطع بأمان؟
لمن لا توجد لديهم موانع صحية، يُفضّل البدء تدريجيًا بدلًا من القفز مباشرة إلى فترات صيام طويلة؛ فمثلًا يمكن البدء بنافذة صيام 12 ساعة ثم زيادتها تدريجيًا إلى 14 أو 16 ساعة بحسب الاستجابة والراحة الشخصية. كما يُنصح بشرب كمية كافية من الماء والحفاظ على توازن الأملاح (الصوديوم والبوتاسيوم والمغنيسيوم) خلال فترة الصيام لتفادي أعراض مثل الصداع أو الدوخة.
وعند كسر الصيام، من الأفضل اختيار وجبة متوازنة غنية بالبروتين والدهون الصحية ومنخفضة الكربوهيدرات بدلًا من الإفراط في الطعام دفعة واحدة. يمكن الاستعانة بـحاسبة الكيتو لتحديد احتياجك اليومي من السعرات والماكروز بدقة، والاطلاع على قسم الوصفات لخيارات وجبات متوافقة مع نمط الأكل قليل الكربوهيدرات. ولمزيد من الشروحات حول الصيام والتغذية الكيتونية، يمكنك تصفح قسم المقالات.
هل يمكن اعتبار الصيام المتقطع علاجًا لمرض السكري من النوع الثاني؟
لا. قد يساعد الصيام المتقطع بعض الأشخاص على تحسين حساسية الجسم للأنسولين ضمن نمط حياة صحي متكامل، لكنه ليس علاجًا أو شفاءً لمرض السكري، ولا يجوز اعتباره بديلًا عن العلاج الطبي. يجب استشارة الطبيب قبل البدء به لمن يتناول أدوية السكري، خصوصًا الإنسولين، لتفادي خطر انخفاض سكر الدم.
كم من الوقت يحتاج الجسم ليبدأ بحرق الدهون أثناء الصيام؟
بعد استنفاد مخزون الجليكوجين في الكبد، الذي يوفر طاقة لمدة تتراوح تقريبًا بين 24 و36 ساعة، يبدأ الجسم بالاعتماد بشكل أكبر على حرق الدهون المخزَّنة كمصدر للطاقة. هذه المدة تقريبية وتختلف من شخص لآخر بحسب النشاط البدني والحالة الأيضية.
هل يرفع الصيام المتقطع الكوليسترول أم يخفضه؟
يختلف التأثير من شخص لآخر؛ فبعض الدراسات تُظهر تحسنًا في بعض مؤشرات الدهون، بينما قد يرتفع الكوليسترول الضار لدى فئة أخرى من الأشخاص. لا توجد نتيجة ثابتة تنطبق على الجميع، ومن يعاني من ارتفاع كوليسترول أو أمراض قلبية يُفضّل أن يتابع مستوياته مع طبيبه أثناء تجربة الصيام.
ما الفئات التي يجب أن تستشير الطبيب قبل تجربة الصيام المتقطع؟
أبرزها مرضى السكري وخاصة من يستخدمون الإنسولين أو أدوية السلفونيل يوريا، والحوامل والمرضعات، ومن هم دون 18 عامًا، ومرضى الكلى والقلب والكبد، ومن لديهم تاريخ مع اضطرابات الأكل، وكل من يتناول أدوية مزمنة تتأثر بمواعيد الطعام.
هل يمكن الجمع بين الصيام المتقطع ونظام الكيتو؟
نعم، يجمع كثيرون بين الاثنين لأن كليهما يعمل على خفض مستوى الأنسولين وتحفيز حرق الدهون بآلية متقاربة، لكن الجمع بينهما يتطلب تخطيطًا جيدًا للوجبات والماكروز حتى لا تحدث نواقص غذائية. يمكن استخدام حاسبة الكيتو لحساب احتياجك اليومي بدقة قبل البدء.
ما الفرق الأساسي بين الصيام المتقطع والحميات الغذائية التقليدية؟
الحميات التقليدية غالبًا ما تركز على نوع الطعام أو كميته، بينما يركز الصيام المتقطع على توقيت الأكل، أي متى تأكل وليس بالضرورة ماذا تأكل فقط. كما يتميز الصيام ببساطته وعدم الحاجة لأطعمة خاصة أو تحضير معقد مقارنة ببعض الحميات.
























اترك تعليقاً
يجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق.