منذ آلاف السنين اعتمدت الثقافات التقليدية على أطعمة بسيطة وغنية بالعناصر الغذائية، مثل الخضروات المخمَّرة ومنتجات الألبان المخمَّرة والمرق المطبوخ ببطء من عظام الحيوان. ومن بين هذه الأطعمة التقليدية، يحتل مرق العظام مكانة خاصة، إذ عاد للانتشار بقوة في السنوات الأخيرة حتى أصبح عنصرًا أساسيًا على موائد كثير من متبعي نظام الكيتو الغذائي، بل أصبح يُباع جاهزًا ومعبأً في كثير من المتاجر ومحال الأطعمة الصحية اليوم. تتعدد أنواع مرق العظام بين مرق الدجاج ولحم البقر والضأن والسمك، وحتى مسحوق البروتين المستخلص منه، ولكل نوع نكهته وقيمته الغذائية الخاصة.
مرق العظام ليس مجرد «شوربة للراحة النفسية» كما يُشاع عن حساء الدجاج عند الشعور بالتعب؛ فهناك سبب تقليدي معروف يجعل الأطباء والأمهات على حد سواء ينصحون به عند الإصابة بنزلات البرد أو الإنفلونزا، إذ تشير بعض الأبحاث الأولية إلى أن مكوناته قد تساعد في تهدئة التهاب الجهاز التنفسي العلوي وتحسين الهضم أثناء المرض، مع العلم أن هذه النتائج ما زالت بحاجة لمزيد من الدراسة، ولا تعني أن مرق العظام علاج أو بديل عن الرعاية الطبية لأي عدوى أو مرض. وكثير من الأمهات حول العالم -ومنهنّ أمهاتنا في المطبخ العربي- اعتدن تحضير مرق الدجاج البلدي في الشتاء أو الطبخ به كوجبة رئيسية، انطلاقًا من إيمان تقليدي متوارث بفوائده في موسم البرد. واليوم أصبح مرق العظام أيضًا عنصرًا أساسيًا في نظامي الباليو والكيتو الغذائيين، لأنه غني بالعناصر الغذائية، سهل الهضم نسبيًا، منخفض الكربوهيدرات، وله نكهة عميقة تُستخدم كقاعدة للشوربات والصلصات الكيتونية.
ما هو مرق العظام ولماذا يُحضَّر ببطء؟
مرق العظام سائل يُحضَّر بغلي عظام الحيوانات -مع أجزاء أخرى مثل النخاع والجلد والأوتار والأربطة التي لا تُؤكل مباشرة- على نار هادئة لساعات طويلة، وأحيانًا لأيام كاملة. كانت هذه طريقة الأجداد للاستفادة من كل جزء من الذبيحة دون هدر. هذا الغلي البطيء يُطلق تدريجيًا من العظام والأنسجة الضامة مركبات مثل الكولاجين والجيلاتين والبرولين والجليسين والجلوتامين، وهي مركبات موجودة أصلًا في جسم الإنسان وتدخل في تركيب الأنسجة الضامة والمفاصل والجلد.
من المهم التمييز بين مرق العظام الحقيقي المحضَّر منزليًا أو من مصدر موثوق، وبين كثير من المنتجات الجاهزة التي تُباع في المتاجر تحت اسم «مرق» أو «مرقة»، والتي غالبًا لا تُطهى لساعات طويلة، وتعتمد على نكهات لحوم مُصنَّعة ومكعبات مرقة جاهزة، وأحيانًا نكهات مضافة مثل غلوتامات أحادي الصوديوم (MSG) بدلًا من النكهة الطبيعية الناتجة عن الغلي البطيء الطويل. للحصول على القيمة الغذائية الحقيقية لمرق العظام، يُفضَّل تحضيره في المنزل أو اختيار منتجات تُصنَّع بطريقة تقليدية موثّقة.
القيمة الغذائية لمرق العظام
يتميز مرق العظام باحتوائه على معادن بأشكال يسهل على الجسم امتصاصها، إضافة إلى مركبات مثل كبريتات الشوندروتين والجلوكوزامين، وهي نفس المركبات التي تُباع أحيانًا في صورة مكملات غذائية باهظة الثمن بهدف دعم صحة المفاصل. كما يحتوي على الكولاجين، وهو أكثر البروتينات وفرة في جسم الإنسان، ويدخل في تركيب العظام والجلد والغضاريف والأربطة والأوتار.
من الناحية الكيتونية، يُعد مرق العظام منخفض الكربوهيدرات جدًا، بل شبه خالٍ منها إذا حُضِّر من العظام واللحم والماء فقط دون إضافة خضروات نشوية، ما يجعله خيارًا مناسبًا ضمن حساب الكربوهيدرات الصافية اليومية. لمعرفة كيف يتناسب مرق العظام مع احتياجاتك اليومية من السعرات والبروتين والدهون، يمكنك الاستعانة بـ حاسبة الكيتو لحساب توزيع الماكروز الخاص بك.
دوره المحتمل في دعم صحة المفاصل
مع التقدم في العمر تتعرض المفاصل بشكل طبيعي للتآكل، ويقل الغضروف المفصلي تدريجيًا، وهو ما يُعرف بتدهور الغضروف المرتبط بالعمر. يحتوي مرق العظام على الكولاجين والجيلاتين، وهما مكوّنان أساسيان في تركيب الغضاريف والأنسجة الضامة بين المفاصل، إذ يعمل الجيلاتين كوسادة طبيعية بين العظام تساعدها على الحركة بسلاسة أكبر.
تشير بعض الأبحاث إلى أن مكمّلات الكولاجين قد ترتبط بتحسّن في راحة المفاصل لدى بعض الفئات، مثل الرياضيين الذين يخضعون لمجهود بدني مكثف، لكن النتائج تتفاوت من دراسة لأخرى وما زالت بحاجة لمزيد من البحث. لذلك يمكن اعتبار مرق العظام غذاءً داعمًا ضمن نمط حياة صحي عمومًا، وليس علاجًا لأي حالة مفصلية قائمة. من يعاني من التهاب مفاصل مزمن أو ألم مستمر ينبغي أن يستشير طبيبًا مختصًا لتشخيص حالته ووضع خطة علاج مناسبة.
دوره المحتمل في دعم صحة الجهاز الهضمي
يحتوي مرق العظام على الجيلاتين وأحماض أمينية مثل البرولين والجلوتامين والأرجينين، وهي عناصر تدخل في بناء الأنسجة التي تبطّن الجهاز الهضمي. تشير بعض الأبحاث إلى أن الجيلاتين قد يساهم في دعم سلامة بطانة الأمعاء، وقد يكون له دور مساعد في دعم نمو البكتيريا النافعة في القناة الهضمية.
يتحدث بعض المهتمين بالتغذية عن مفهوم «الأمعاء المتسربة» (Leaky Gut) لوصف ضعف افتراضي في بطانة الأمعاء يسمح بمرور جزيئات غير مهضومة إلى مجرى الدم، إلا أن هذا المصطلح ليس تشخيصًا طبيًا معترفًا به رسميًا في الطب السريري حتى الآن، وما زال محل نقاش علمي. لذلك الأدق أن يُقال إن مرق العظام قد يكون إضافة مفيدة وسهلة الهضم ضمن نظام غذائي متوازن يدعم صحة الجهاز الهضمي عمومًا، دون اعتباره علاجًا لأي اضطراب هضمي مشخَّص. من يعاني من أعراض هضمية مستمرة كالانتفاخ أو الألم أو تغيّر عادات الإخراج ينبغي أن يراجع طبيب الجهاز الهضمي.
دوره المحتمل في صحة البشرة
يساعد الكولاجين في تكوين الإيلاستين وغيره من المركبات المسؤولة عن مرونة الجلد ونضارته. يعتقد كثيرون أن تناول مصادر الكولاجين الطبيعية مثل مرق العظام بانتظام وضمن نظام غذائي متوازن قد يكون له دور داعم في مظهر البشرة مع تقدم العمر، إلى جانب عوامل أخرى مهمة كالترطيب والحماية من الشمس والنوم الكافي.
تجدر الإشارة إلى أن نتائج تناول الكولاجين على مظهر البشرة تختلف من شخص لآخر، ولا يوجد ضمان لنتيجة محددة، فالعوامل الوراثية ونمط الحياة تلعب دورًا أكبر بكثير من أي طعام بمفرده.
دوره المحتمل في دعم جهاز المناعة والتمثيل الغذائي
يحتوي مرق العظام على أحماض أمينية مثل الجليسين والجلوتامين والأرجينين، تدخل في عمليات أيضية متعددة داخل الجسم، من بينها بناء الأنسجة العضلية والحفاظ عليها. ويُعتقد أن دعم صحة الأمعاء بشكل عام -كما ذُكر سابقًا- ينعكس بشكل غير مباشر على وظيفة الجهاز المناعي، نظرًا للعلاقة الوثيقة بين الجهاز الهضمي والمناعة.
كما يحتوي مرق العظام على معادن مثل البوتاسيوم، وأحماض أمينية كبريتية تدخل في مسارات التمثيل الغذائي الطبيعية للجسم. مع ذلك ينبغي التعامل بحذر مع أي وصف لمرق العظام بأنه «يزيل السموم» أو «يعالج» حالات معينة؛ فجسم الإنسان يملك أجهزته الطبيعية -الكبد والكلى- لإزالة الفضلات والسموم، ودور الغذاء هو دعم هذه الأجهزة ضمن نمط حياة صحي عام، لا استبدالها أو علاج أي خلل فيها. أي شخص يعاني من مشكلة صحية مزمنة في الكبد أو الكلى أو جهاز المناعة يجب أن يتابع مع طبيبه المختص، ولا يعتمد على أي غذاء بمفرده كبديل عن العلاج الطبي.
كيف تحضّر مرق عظام حقيقيًا في المنزل
تحضير مرق العظام في المنزل بسيط نسبيًا، وإن كان يحتاج وقتًا طويلاً. تُستخدم عظام دجاج أو لحم بقري أو ضأن أو سمك -ويُفضَّل تحميص العظام في الفرن أولًا لتحسين النكهة- ثم تُغمر بالماء في قدر كبيرة مع قليل من الخل أو عصير الليمون للمساعدة في استخلاص المعادن من العظام، وتُترك على نار هادئة جدًا لفترة تتراوح بين 8 و24 ساعة لمرق الدجاج، وقد تصل إلى 24-48 ساعة لمرق العظام البقري، مع إضافة الخضروات والأعشاب في الساعات الأخيرة من الطهي مثل البصل والثوم والجزر وورق الغار.
بعد الانتهاء يُصفّى المرق ويُترك ليبرد، ثم يمكن حفظه في الثلاجة لبضعة أيام أو تجميده على شكل مكعبات لاستخدامه لاحقًا كقاعدة للشوربات، أو لطهي الأرز والخضروات به، أو ببساطة شربه دافئًا مع قليل من الملح. إذا كنت تبحث عن أفكار لدمج مرق العظام في وجباتك اليومية ضمن نظام الكيتو، يمكنك تصفح الوصفات على الموقع للاطلاع على وصفات كيتونية مناسبة.
نصائح لإدراج مرق العظام ضمن نظامك الكيتوني
يمكن اعتبار مرق العظام إضافة جيدة ضمن نظام الكيتو نظرًا لانخفاض محتواه من الكربوهيدرات وارتفاع محتواه النسبي من البروتين والمعادن، لكنه ليس بديلاً عن وجبة متكاملة ولا عن مصادر البروتين والدهون الأساسية في نظامك اليومي. وكما هو الحال مع أي مصدر بروتين، ينبغي أن يندرج ضمن إجمالي البروتين اليومي الذي يناسب وزنك وأهدافك، لأن الإفراط في البروتين بشكل عام قد يدفع الجسم لتحويل جزء منه إلى طاقة عبر مسار استحداث السكر، ما قد يؤثر على حالة الكيتوزية لدى بعض الأشخاص الحساسين لذلك. استخدم حاسبة الكيتو لتحديد نصيبك اليومي من البروتين بدقة أكبر.
من الأفضل أيضًا تنويع مصادر مرق العظام بين الدجاج ولحم البقر والسمك للاستفادة من نطاق أوسع من المعادن والأحماض الأمينية، مع الانتباه إلى محتوى الصوديوم في المرق الجاهز تجاريًا، خصوصًا لمتابعي ضغط الدم. وكما في أي تعديل غذائي، يُفضَّل استشارة أخصائي تغذية أو طبيب قبل إدخال تغييرات كبيرة على النظام الغذائي إذا كانت لديك حالة صحية قائمة.
هل يحتوي مرق العظام على كربوهيدرات تؤثر على الكيتو؟
مرق العظام المحضَّر من العظام واللحم والماء فقط يكاد يكون خاليًا من الكربوهيدرات، ما يجعله خيارًا مناسبًا ضمن حساب الكربوهيدرات الصافية اليومية في نظام الكيتو. لكن بعض المنتجات الجاهزة تجاريًا قد تحتوي على إضافات أو نشويات، لذا يُفضَّل قراءة الملصق الغذائي أو تحضيره منزليًا للتأكد من محتواه.
كم مرة يمكن شرب مرق العظام أسبوعيًا ضمن نظام الكيتو؟
لا توجد كمية موحدة تناسب الجميع، إذ يعتمد ذلك على نصيبك اليومي من البروتين والسعرات ضمن خطتك الكيتونية. يمكن دمجه كوجبة خفيفة أو كقاعدة للشوربات عدة مرات أسبوعيًا، مع مراعاة ألا يتجاوز إجمالي البروتين اليومي الحد الذي يناسب وزنك وأهدافك، ويمكن حساب ذلك عبر حاسبة الكيتو.
هل يمكن شرب مرق العظام أثناء الصيام المتقطع؟
مرق العظام يحتوي على سعرات وبروتين، ما يعني أنه يكسر الصيام من الناحية الفنية إذا كان الهدف صيامًا كاملاً بلا سعرات. بعض متبعي الصيام المرن يتناولونه بكميات صغيرة أثناء نافذة الصيام لتخفيف الجوع، لكن هذا قرار شخصي يُفضَّل مناقشته مع مختص إذا كان الصيام لأسباب صحية أو علاجية.
ما الفرق بين مرق العظام الحقيقي والمرق الجاهز من المتاجر؟
مرق العظام الحقيقي يُطهى ببطء لساعات أو أيام حتى يتحلل الكولاجين من العظام والأنسجة الضامة، بينما كثير من منتجات «المرق» أو «المرقة» الجاهزة تجاريًا تُصنَّع بطهي أسرع وتعتمد على نكهات مضافة بدلًا من الطهي الطويل، ما يجعل محتواها من الكولاجين والمعادن أقل بكثير.
هل مرق العظام بديل عن العلاج الطبي لأمراض المفاصل أو الجهاز الهضمي؟
لا. مرق العظام غذاء داعم ضمن نمط حياة صحي، وليس علاجًا أو بديلاً عن أي دواء أو خطة علاجية. أي شخص يعاني من التهاب مفاصل مزمن، أو اضطراب هضمي مستمر، أو أي حالة صحية مشخَّصة، يجب أن يستشير طبيبه المختص قبل الاعتماد على أي تعديل غذائي كجزء من خطته.
























اترك تعليقاً
يجب تسجيل الدخول لإضافة تعليق.